الرئيسيه | أراء الكتاب | مقتل المجرم في كترمايا – جريمة أخرى أم عمليّة ثأر تقليدي ؟

مقتل المجرم في كترمايا – جريمة أخرى أم عمليّة ثأر تقليدي ؟

قد تكون المشاهد التي تناقلتها وكالات الأنباء المحليّة والعالميّة من بلدة كترمايا في إقليم الخرّوب قاسية وبشعة جدّاً وذلك حين هاجم متظاهرون موكب القوى الأمنيّة، الذي أتى بالمجرم إلى البلدة ليمثّل جريمته، وسحبوه بالقوّة وانهالوا عليه بالسّكاكين حتّى الموت ثمّ مثّلوا بجثّته وسحلوها في شارع البلدة الرّئيسي وعلّقوها على عامود كهرباء ثمّ أنزلوها ورموها في موقع نفايات البلدة ليأتي بعدها الصّليب الأحمر وينقلها إلى المستشفى الحكومي القريب، ..... فهل ما حصل مع هذا المجرم هو أمر خارج عن تصوّراتنا فعلاً ؟ وفي مثل هذه الحالات، ما هي حدود ردّات الفعل التي ترسمها عاداتنا وتقاليدنا كلبنانيّين وكعرب ؟

أوّلاً نبدأ بكترمايا، وهي إحدى بلدات إقليم الخرّوب الواقعة في قضاء الشّوف في الجزء الجنوبي من جبل لبنان، وكالكثير من القرى اللبنانيّة تكاد تكون فيها جرائم القتل معدومة تماماً، فباستثناء بعض الإقتتال المحدود جدّاً الذي جرى إبّان الحرب الأهليّة لم تشهد المنطقة جرائم من هذا النّوع في تاريخها المعاصر .... إلى أن أتى ذاك اليوم المشؤوم لتقترف أيدي هذا العامل المصري جريمة بشعة لم تشهد المنطقة شيئاً يشبهها من قبل.

وخلافاً لما يجري تداوله وتأويله عبر وسائل الإعلام عن عدم اكتمال التّحقيق أو عدم التّأكّد من صحّة الإتّهام، فإنّ هذا المجرم قد اعترف بفعلته الشّنيعة بعد إلقاء القبض عليه مباشرة، كما أنّ الأدلّة الجنائيّة أثبتت تطابق الدّماء على قميصه وعلى أداة الجريمة التي ضبطت بحوزته مع دماء الضّحايا، وبناءً عليه واستناداً إلى القانون، قرّرت الأجهزة المختصّة إحضارة إلى مسرح الجريمة ليمثّل وقائعها تماماً كما يحصل في كلّ قضايا الجرائم بعد أن يقرّ الجاني بارتكابها، إلاّ أنّ القائمين على مجريات التّحقيق أساؤوا تقدير التّوقيت الملائم للقيام بهذه الخطوة خاصّة وأنّ الضّحايا لم يتمّ دفنهم بعد والشارع الشّعبي في كترمايا يعيش حالة فظيعة من الغضب والغليان لم تعهدها المنطقة من قبل.

        

قمّة في الإجرام

لأسباب غير منطقيّة قدّمها المتّهم خلال التّحقيق، اعترف بإقدامه على اقتحام منزل المغدور يوسف أبو مرعي وقتله مع زوجته كوثر و حفيدتيهما آمنة (9 سنوات) وزينة (7 سنوات) بواسطة آلة حادّة ممزّقاً أجسادهم جميعاً بعشرات الطّعنات، فتمكّن في البداية من قتل الجدّة والجدّ مقتلعاً عينيه ودماغه قبل وصول الحفيدتين من المدرسة ليجهز عليهما بطعنات سكيّنه التي اخترقت جسدي الطفلتين البريئتين من جميع الجهات وصولاً إلى العنق والرّأس والوجه والعينين مقتلعاً الأذن وجزءاً من الأنف.

كيف يمكن لشخص يتمتّع بالحدّ الأدنى من إنسانيّة الإنسان أن يرتكب جريمة بهذه الفظاعة ؟ وأيّاً يكن السبب والدّافع وراءها، كيف يستطيع أيّ شخص بالغ ومدرك أن يقتل طفلاً بريئاً بهذه الوحشيّة ويمثّل بجثّته ؟ فالمشاهد المروّعة للضّحايا التي رآها أهالي كترمايا وخاصّة مشهد الطّفلتين الفظيع إلى حدود أبعد من تلك التي يمكن أن يتحمّلها إنسان عاقل، كان وقعها السّلبي هائلاً على نفوسهم جميعاً، حيث تسبّبت بحالة هستيريّة عامّة امتزج فيها الحزن والأسى مع الغضب والغليان، ..... وهذه صورة من سِمات المجتمعات المحافِظة في منطقتنا العربيّة ليس إلاّ.

إزداد الشّارع الشّعبي غضباً وازدادت فَوْرة غضبه أضعافاً بعد أن عُرِف الجاني وأُلقيَ القبض عليه ليتبيّن أنّه كان من أصحاب السّوابق المعروفين في كترمايا ويقطن مع أهله في منزل مقابل لمنزل الضّحايا، حيث سبق أن أُوقف مرّتين في الماضي على خلفيّة ارتكاب جرم إغتصاب قاصر، وفي كلّ مرّة كان يفلت بفعلته بسبب إسقاط القضيّة من قبل الأهل خوفاً من الفضيحة والعار.

ردّة الفعل

في اليوم التّالي لارتكابه الجريمة النّكراء وفي ظلّ مواكبة أمنيّة ظهر القاتل مجدّداً مع منتصف النّهار في كترمايا من أجل تمثيل جريمته بعد اعترافه بارتكابها وذلك إستكمالاً لمقتضيات وإجراءات التّحقيق التي تقتضي ذلك، وكان هذا على مرأى من الجموع الغاضبة والتي كانت هي بدورها تتحضّر لدفن ضحايا هذا المجرم بحلول العصر، فما كان من مئات الرّجال والشباب إلاّ أن تقدّموا نحو القاتل وسحبوه بالقوّة من بين أفراد الوحدة الأمنيّة المولجة حمايته لينهالوا عليه بسكاكين وسواطير أحضروها في غضون دقائق قليلة من المحلاّت والبيوت المجاورة، فقتلوه ومثّلوا بجثّته كما ذكرنا في البداية مدفوعين بشكل أعمى من هول وفظاعة الجريمة التي ارتكبها، فنحن قد نعجز عن تخيّل ما يمكن أن نشعر به لو كان هؤلاء الضّحايا هم أولادنا أو أقربائنا، ونسأل أنفسنا كيف ستكون ردّة فعلنا لو كنّا في موقع الجموع الغاضبة الذين كان جلّهم من الأهل والأقرباء والأصدقاء ؟؟؟

 

الإدانات

بعض الجهات السياسيّة كما بعض وسائل الإعلام التي تفتقر إلى الموضوعيّة والمنطق في نقل وتحليل الخبر، بادرت إلى إدانة جريمة قتل الأبرياء الأربعة، ولكنّها أدانت بشدّة أكثر عمليّة قتل المجرم والتّمثيل بجثّته لتُحوّل بذلك المجرم إلى ضحيّة والضحيّة إلى جاني، فأصبح مقتل القاتل هو الكارثة والمجزرة والفاجعة فيما أمسى ضحايا مجزرته الأربعة تفصيلاً ثانويّاً من تفاصيل المأساة !!!

هل كانت ردّة فعل أهالي كترمايا مبالغ بها ؟؟ ألم تكن ردّة الفعل هذه كأحد نماذج الثّأر والإنتقام من سفّاح وقاتل أطفال ومغتصب قاصرين في بيئتنا العربيّة المحافظة ؟؟ صحيح أنّ التّمثيل بجثث الأموات أمر ترفضه وتحرّمه وتدينه كافّة العقائد والأديان بدون إستثناء، ولكن الغضب العارم الذي اجتاح الجماهير عقِب الجريمة كان أقوى من العقل والحكمة.

بالتّاكيد كان من الأفضل لو تولّت الأجهزة الأمنيّة والقضاء أمر هذا المجرم طبقاً للقانون، لأنّه في نهاية المطاف نحن جميعاً ضدّ أن يأخذ المواطنون حقوقهم بأيديهم فنحن نطمح لاستكمال مسيرة بناء دولة القانون والمؤسّسات التي يفترض أن تكون هي راعية وحامية للجميع، ولكن ربّما خطأ التّقدير في توقيت تمثيل الجريمة، وصُوَر الضّحايا المخيفة التي انطبعت في أذهان الأهالي خاصّة الشّباب منهم، وجوّ الحزن والغضب الذي كان يرافق مراسم التّشييع، كلّ هذه كانت أكثر من كافية لحصول ما حصل حتّى لو ظهر القاتل بحراسة 200 عنصر أمني وأكثر.

ولو حصلت مثل هذه الجريمة البشعة (لاسمح الله) في أيّ بلدة أو قرية في لبنان أو في أيّ دولة عربيّة وفي ظروف مشابهة، لكانت ردّات فعل الأهالي تجاه المجرم مماثلة لما حصل في كترمايا، لا بل على نحو أقسى بكثير خاصّة في مجتمعات محافظة كالريف السوري أو كالصعيد المصري مثلاً وما كان ليمنعها أحد على الرّغم من التّواجد القوي للدّولة وأجهزتها، والأهمّ من ذلك ما كان الإعلام هناك ليعطي ردّة فِعل الشارع حجماً أكبر ممّا تستحقّ، فالجريمة مرعبة جدّاً، ... والجاني اعترف، ... حصل خطأ في تقدير المخاطر، ... قُتل القاتل، .... مُثّل بجثّته (وهذا أمر مؤسف)، .... ثمّ نال القاتل جزاءه على نحو ثأري مخالف للقانون، ... وانتهى الخبر وأقفلت القضيّة دون أن يعتبر أحد أنّ ما حصل قد أصاب شيئاً من هيبة الدّولة، خاصّة وأنّ جرائم أو بالأحرى مجازر قتل وذبح الأطفال في مجتمعاتنا المحافظة تعتبر نادرة جدّاً، ولكن عندما تحصل، قد تصل تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود المسموح بمسافات. 

أيمن شحادة        

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تم التثبيت):

أضف تعليق comment

يرجى إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email ارسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
العلامات
لا يوجد علامات لهذا الموضوع
قيم الموضوع
0