تقييم هادئ لزيارة الحريري الباريسية: نجاح مكتمل وإنذار مبكر
نجحت زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لباريس، بنسبة بلغت حدّها الأقصى.
الزيارة الرسمية، تحوّلت إلى" زيارة دولة"، بكل ما للكلمة من معنى في السياسة، بغض النظر عن بعض الفوارق البروتوكولية.
النقاشات المفتوحة كما المغلقة، أعطت الدولة اللبنانية كل ما تحتاج إليه من ثقة بالذات وبالمجتمع الدولي، لتثابر على التطلع الى الإمام، ومن شأنها أن تقدّم للشعب اللبناني، في حال جرى تبسيط النتائج وتعميمها، ثقة بمستقبل مظلل بثوابت السيادة والإستقلال والقرار الحر والإستقرار.
ولم يُخف الرئيس الحريري، في سلوكياته اليومية في باريس، هذه الخلاصات التي شارك في تقديمها جميع أعضاء الوفد الوزاري المرافق، ومعهم الخبراء المخضرمون، في العلاقات اللبنانية ـ الفرنسية على مر العشرين سنة الماضية .
وقبيل اختتام برنامج الزيارة الرسمية باللقاء مع أبناء الجالية الفرنسية في باريس الذين اختلطوا بوفود أتت إلى حفل السفارة اللبنانية من كل أنحاء فرنسا وبعض العواصم الأوروبية للقاء الحريري الذي اصطحب معه السيدة نازك رفيق الحريري، كانت الشكوك التي عبّر عنها البعض، حيال نتائج زيارة مماثلة، قد تلاشت، ليحل مكانها كلام على برنامج تنفيذي ممزوج بنفحة مهمة من الثقة بأهمية ما أنجزه اللبنانيون في العام 2009، بدءاً بتبادل التمثيل الدبلوماسي مع سوريا ،مروراً ببدء العمل بالمحكمة الخاصة بلبنان، وصولاً الى نتائج الانتخابات النيابية وما انبثق عنها من تثبيت، ولو بالحد الأدنى، لسلطات الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وقائع الإليزيه
الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أعد استقبالاً مميزاً لـ"صديقي الأول في لبنان" سعد الحريري، قرّر أن يبلغ "كل لبنان" الذي كان ممثلاً في الوفد الوزاري المرافق للحريري، مجموعة حقائق مترابطة:
ـ أولاً: إن لبنان ليس وحيداً أو متروكاً في محيطه، بل يتمتع بدعم فرنسي مطلق، حيال إسرائيل وسوريا في آن.
ـ ثانياً: إن السياسة الفرنسية التي أرساها تجاه لبنان، على الرغم من كل الإنتقادات التي وُجهت إليها، أثمرت غاياتها، فعاد الإستقرار وتم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وجرت إنتخابات نيابية وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة شخصية "نرتاح إليها".
ـ ثالثاً: إن هذه النتائج التي حققتها السياسة الفرنسية، لم تكن ممكنة لولا "صدق" الرئيس الأسد في "كل التعهدات التي قطعها" لساركوزي.
ـ رابعاً: إن فرنسا لم تساوم على أي حق من الحقوق اللبنانية حين سعت إلى إعادة دولة القانون إلى لبنان، فهي على سبيل التحديد، لم ولن تتنازل عن المحكمة الخاصة بلبنان، لأن فرنسا لن تقبل، بأي شكل من الأشكال، أن "تبرم صفقة "مع أي قاتل، وهذا ما أبلغه ساركوزي، كما أكد هو بالذات، للرئيس السوري بشار الأسد.
ـ خامساً: إن القوات المسلحة اللبنانية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، تحظى بدعم فرنسي لا متناه، وفي هذا السياق لن يتم منع أي سلاح يحتاج إليه، وسوف يحصل لبنان على كل ما يطلبه لجيشه، من دون حدود أو شروط. وهذا يعني أن القيادة الفرنسية، قررت أن تتجاوز كل "المخاوف" التي يثيرها عسكريون وأجهزة مخابراتية، لجهة إمكان وقوع السلاح بيد "حزب الله". وقد سبق رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا فيون موقف ساركوزي بتأكيده الثقة بالجيش اللبناني، الذي لم يفقد أثر "بندقية" واحدة، في الحرب الأهلية التي كان قد شهدها لبنان، وهذه ظاهرة نادرة في تاريخ الجيوش.
وقد كان لافتا، إن ساركوزي شد على معصم نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر، الذي كان يجلس الى يمينه في غداء الإليزيه، وقال له على صوت عال: "أطلب يا الياس كل ما تريد لجيشك، ووزير دفاعنا في انتظارك، وما يمكن أن يصعبه عليك، تراجعني به وتحصل عليه".
ـ سادساً: تأكيد فرنسي على استمرار الدعم المالي والإقتصادي للبنان. هذا لم يكن حصيلة مواقف لساركوزي وفيون التي وصلت الى حدود الإستعداد لعقد باريس ـ4 في حال جرى تنفيذ الخطط الإصلاحية لباريس ـ3 فحسب، بل جرت ترجمته بإيفاد وزيرة الإقتصاد كريستين لاغارد الى جناح الحريري في فندق "بلازا أتينه" وتوقيع بعض الإتفاقيات مع وزيرة المال اللبنانية ريا الحسن.
في السياسة الحريرية
بدت فرنسا الساركوزية مرتاحة جدا لزيارة الرئيس الحريري لدمشق، وهي إلى إجماعها على وصف خطوته هذه بالشجاعة وضروريات رجل الدولة، فإنها أوحت بأنها تسهر على العلاقات اللبنانية ـ السورية وترعى إنتاجيتها وتنصح بإعطائها الفرص التي تحتاجها، مقدمة خلاصة الرهان الشخصي الذي أخذه ساركوزي على نفسه، حين قرر إعادة العلاقات السياسية مع دمشق.(فيون يتوجه قريباً الى دمشق على راس وفد وزاري) وحرصت فرنسا أيضا، على إظهار أنها غير معنية بالإنتقادات التي يوجهها بعض الغرب لمشاركة "حزب الله" في الحكومة، لا بل أن ساركوزي ذهب الى أبعد من ذلك، حين أعلن أنه عندما يصافح وزيرا لبنانيا، لا ينظر الى بطاقته الحزبية ،إنما إلى انتمائه الى الدولة اللبنانية، من خلال حكومتها، وهذا يعني أيضا، أن فرنسا لا تزال على خط تأييد التفاهم اللبناني ـ اللبناني .
"العاصفة" الكوشنيرية ومخاطر العام 2010
إلا أن التطابق اللبناني ـ الفرنسي كان له حدود، هو النظرة الإقليمية التي تجعل لبنان في ضفة مختلفة عن الضفة التي تقف عليها فرنسا.
وهنا بالتحديد، تبرز نقطتان متلازمتان: حزب الله المسلح صاحب الوظيفة الإقليمية وإيران.
وفي هذا السياق، فإن القيادة الفرنسية التي دعاها لبنان، منذ الزيارة الأخيرة للرئيس سليمان الى باريس، إلى العمل من أجل منع أي عدوان إسرائيلي على لبنان، قدمت الجواب خلال زيارة الحريري، على الطريقة الكوشنيرية المباشرة، التي ثبت أنه جواب يتقاطع مع الإليزيه وربما نابع منه.
الجواب الفرنسي عن الهواجس اللبنانية نفي حال جرى تفريغه من التعابير القوية يعني الآتي: أيها اللبنانيون، أنتم حاليا في وضعية العام 2006.إسرائيل لا تخطط لشن حرب عليكم ولكنها سوف تفعل ذلك في حال جرى تحريك "الستاتيكو" الحالي الذي ترعاه قوات الطوارئ العاملة في جنوب لبنان، بولاية القرار 1701.
ويتابع الجواب الفرنسي: إن "حزب الله"، الذي تعرف فرنسا، من خلال اتصالاتها بإيران وبكل المجتمع الدولي ومن بينه سوريا، إرتباطه الإقليمي (حزب الله) قد يخرق الهدوء الراهن لمصلحة إيران وحينها يكون لبنان معرضا لما تحاولون حمايته منه.
بالنسبة للفرنسيين، يشكل العام 2010 أخطر أعوام المنطقة الشرق أوسطية، فحسم الموقف من إيران، من شأنه تغيير قواعد اللعبة ولذلك، فمن يريد تجاوز الخطر، عليه أن ينأى بنفسه عن الإستخدامات في لعبة "توجيه الرسائل".
وهذه النظرة الفرنسية الى ملف "حزب الله "تنبع من موقف فرنسي "صارم" حيال الملف الإيراني، يصل الى حدود إنتقاد باريس لـ "حمائمية "واشنطن.
باريس متيقنة من أن إيران قطعت أشواطا كبيرة في صناعة قنبلتها النووية، وهي تملك ملفاً موثقاً حول ذلك (!) مستعدة لإيداعه السلطات اللبنانية المختصة، وتالياً فهي لن تقف مكتوفة الأيدي، لأن من شأن "التراخي" على هذا المستوى، جر منطقة الشرق الأوسط الى سباق في التسلح النووي، على اعتبار أن امتلاك إيران للسلاح النووي سوف يدفع غيرها الى امتلاك هذا السلاح أيضا، وهذا "ما لا يمكن أن نسكت عنه أو نرضى به" يقول ساركوزي.
ويتابع الفرنسيون منطقهم "الأنتي إيراني" بالقول: "نحن الآن نعاني من ضبط قرار السلاح النووي في باكستان، فلن نأخذ أنفسنا الى معاناة أكبر في ضبط السلاح النووي في الشرق الأوسط".
على اي حال، فإن الإختلاف حول الطرف المهدد بشن الحرب التي يمكن أن يذهب لبنان ضحيتها معطوفاً على الخلاف النابع من ضرورة إقناع إسرائيل بالتخلي عن النووي قبل الإكثار من المخاوف مما تزمع، غير ان القيام به، يعتبر شأناً طبيعياً، بين دولتين، بغض النظر عن الدور والحجم، تبحث كل منهما عن مصلحتها، أولاً وأخيراً.
في الخلاصة
إلا أن القراءة الفرنسية "المتشائمة" حيال العام 2010 تستدعي إطلاق صفارات الإنذار في لبنان، لعل القوى اللبنانية، بغض النظر عن ارتباطاتها الإقليمية، تستطيع أن تحمي وطنها من الوقوع، مرة جديدة، ضحية مصالح دول أخرى.
إلا أن الأكيد، أن لبنان، في حال تمكن من الإمساك بمصيره، مكتوب له أن يخرج من أزمته.
الوقائع الفرنسية التي سجلت خلال الزيارة الناجحة للرئيس الحريري تعني شيئاً واحداً: قدر لبنان أن يحيا.
باريس ـ فارس خشان



del.icio.us
Digg
أضف تعليق