الرئيسيه | أراء الكتاب | ناس و ..."مقاومة"!!!

ناس و ..."مقاومة"!!!

لم أكلف نفسي عناء متابعة أعمال ما أطلق عليه الملتقى الدولي العربي للمقاومة لأن مجرد ذكر هذا الشعار بات يثير الإشمئزاز في أحشائي، وهو المنعقد في بيروت ويذكرني بوقاحة بأن مدينتي محتلة منذ 7 أيار، وما زالت تحت الاحتلال.

ذكرتني الوجوه التي لفظها بحر التاريخ كما نهره بيوم ساقت فيه أجهزة المخابرات السورية ما سمي تجمعا للمعارضات العراقية المناوئة لبعث صدام حسين. نقلتهم في حافلات سياحية من مركز تجميعهم في دمشق، أسكنتهم فندق البريستول البيروتي العريق، أطعمتهم بالشوكة والسكين، سقتهم من كل المذاقات وأنطقتهم عن ضرورة إسقاط النظام الذي فشلوا في إسقاطه حتى أسقط نفسه في الكويت ثم كنسته أميركا لهم من العراق فعادوا واستقبلوا نتفه حيث هم كي يصنعوا منها ... "مقاومة".

ذكرني بيانهم الذي ألقوه من بلدة مارون الراس الحدودية في جنوب لبنان بجبهات الرفض والصمود والتصدي واللاءات الثلاث وكل ذلك الزاد العفن الذي كانت تصدح به أقلام أنظمة التذويب بالأسيد والألسن الممسوحة، في النصف الثاني من القرن الماضي.

أطلعني أحدهم على مقتطفات من كلمة إيران وتذكرت خطابات القذافي وأطنان الكتب الخضراء والثورة الدائمة وسألت نفسي: متى سيحصل أحمدي نجاد على إفادة حسن سلوك من الشيطان الأكبر كي لا يبقى القذافي متقدما عليه في الدراسة... والولاء، وخطف الأبرياء؟

سألت صديقي، وهو يكبرني بنصف عقد، عن أبرز ملاحظاته على الملتقى الذي تكبد مشقة حضور بعض جلساته، فلخص لي محاور النقاش، وتوجهات الملتقين وأعطاني نسخة عن البيان الختامي... ولم يعلق.

تبحّرت في ما قال، وتعمقت في ما قرأت، فوجدت أن أنسنة الصراع قد تراجعت قرونا عما كنا نعرفه في حقبة ما كان يسمى نضالا، أكان بالكلمة، بالتعبئة الشعبية أو الجماهيرية، أم بالعمل المسلح.

في حقبة "النضال" كانت هناك مفردة واحدة تحكم ميزان الخطأ والصواب. هذه المفردة هي "الناس".

عندما كنا نتراجع عن إضراب، أو ننهي حملة جماهيرية أو نجمد التصعيد المسلح كان "الناس" دائما هم أساس السبب.

بمعنى أبسط كنا ننهي إضرابا، وإن لم يحقق أهدافه، لأن "الناس" ما عادت تحتمل. لأن الامتحانات شارفت، لأن الشارع لم يعد يحتمل التعطيل.

كنا ننسحب من معركة لأن "الناس" في منطقة ما أنهكت. كنا نعلن وقفا لإطلاق النار لأن ميزانيات العائلات لم تعد قادرة على الإيفاء بما هو مطلوب منها. كنا نتهيب معركة إذا احتسبنا أن خسائرها بين "الناس" قد تكون كبيرة. وبالمناسبة كنا نحتسب "ناسنا وناس غيرنا" فلم نكن نجد مصلحة في أن يدفع "الناس" الثمن، حتى ولو كانوا من الطرف الذي نخاصمه.

حتى ياسر عرفات انسحب من بيروت بحرا في العام 1982 مع أنه كان ما زال قادرا، بالحساب العسكري البحت، على القتال أقله لفترة أربعة أشهر أخرى. ولكن قيل له إن "الناس" ما عادت تحتمل، ولن تقدر على الاحتمال في فصل الشتاء. 

الأفكار الكالحة التي ضجت بها قاعات ملتقى "المقاومة" جاءت نقيضا لمبادئ "النضال"، حتى مع ما حفل به ذلك "النضال" من أخطاء.

مفردة "الناس" بإنسانيتهم غير موجودة في ثقافة هذه المقاومة. وإن وجدت فبإسم آخر.

الناس في ثقافة هذه "المقاومة" هم وقود العقيدة. هم حطب يوقد نار الإيدولوجيا. فيما كان هدف النضال، حتى المؤدلج منه، هو ... خدمة الناس.

وبما أن "الناس" في ثقافة "المقاومة هم حطب أو وقود القضية، يستطيع السيد حسن نصر الله أن يفاخر بنصر آلهي في العام 2006 مع أن كلفته بلغت ألفين وثلاثة وعشرين قتيلا في لبنان مقابل 144 قتيلا إسرائيليا ... نصفهم من عرب الجليل.

وبما أن الناس في ثقافة "المقاومة" هم حطب يوقد نار الإيديولوجيا، بلغ عدد جرحى حرب تموز العام 2006 في لبنان 3,740 شخصا مقابل 360 جريحا إسرائيليا. ومع ذلك تزعم المقاومة أنها حققت نصرا آلهيا.

دمر النصر الآلهي 28,000 منزل في لبنان مقابل 11 منزلا في إسرائيل، وصدّع النصر الآلهي 1,400 منزل في لبنان مقابل 141 منزلا في إسرائيل ... وانتصر.

ودمر النصر الآلهي 72 جسرا، و 3,200 محل تجاري في لبنان، ولم يدمر أي جسر أو أي "ميني ماركت" في إسرائيل ... وانتصر.

ودمر النصر الآلهي 45% من طرقات لبنان، وصفر بالمائة من طرقات إسرائيل ... وانتصر.

ودمر النصر الآلهي 61 معملا وصدّع 23 معملا في لبنان من دون أن يدمر أو يصدع أي معمل إسرائيلي ... وانتصر.

أتلف النصر الآلهي 70% من المواسم الزراعية لشهري تموز وآب في لبنان مقابل 15% من المواسم الزراعية في إسرائيل للفترة نفسها ... وانتصر.

وصدر قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 داعيا إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية، لا المقاومة للانسحاب من الأراضي الإسرائيلية، ومع ذلك صنفت النتيجة نصرا آلهيا فقط لأن كل حسبة الناس غير موجودة في قاموس أو ثقافة هذه المسماة "مقاومة".

واستعاد "حزب السلاح" سمير القنطار من السجن الإسرائيلي مقابل كل ما سلف من الخسائر، ومع ذلك ... انتصر.

ولأن القيمة الحقيقية هي للسلاح لا للبشر في ثقافة هذه المسماة مقاومة تمكن نائب أمين عام "حزب السلاح" الشيخ نعيم قاسم من الادعاء بأن اجتياح بيروت في 7 أيار العام 2008 كان عملية "موضعية نظيفة" كللها بعده السيد نصر الله بصفة المجيدة، مع أنها قتلت 56 مواطنا بريئا غير مسلح، وألحقت أضرارا بآلاف المنازل والسيارات والأملاك الخاصة.

الناس في حسبة الشيخ نعيم وحزبه ومقاومته هم وقود العقيدة، ودورهم الحقيقي هو حرقهم كي تتحرك ماكينة العقيدة.

ولأن الناس لا وجود لهم خارج تصنيف الحطب أو الوقود في ثقافة هذه المسماة مقاومة استطاع رئيس حكومة "حماس" إسماعيل هنيه أن يتعهد بأن "حماس" لن تستسلم حتى لو أبيد كل شعب غزة.

ولأن هذه المسماة مقاومة عادلة في تصنيف الناس، فلم توفر ناسها أيضا من نعمة تنفيذ دور الحطب. أسكنت بينهم "حماس" في حارة حريك، فشملتهم نعمة الانفجار الملتبس وقد تشملهم أيضا نعم... ارتداداته.

ثم جاء كل أهل ثقافة الحطب، التقوا في بيروت، ودعوا إلى تعميم ثقافة مقاومتهم، التي كان قد توقع لها أحمدي نجاد أن تولد من انتخابات حزيران النيابية في لبنان، فتعثر الطلق نتيجة تماسك الحالة الإستقلالية اللبنانية، فعاد السيد نصر الله للتبشير من الملتقى إياه بتغيير وجه المنطقة.

ضيعانك يا بيروت. كنت مدينة تتبارى فيها الثقافات، وتتكابش أحيانا، تحولت ممسحة لنعال لا شرف في تقبيل الأرض تحتها.

ضيعانك يا بيروت، لم يبق للناس فيك سوى أحمد قعبور يغني لهم كي ... يتذكروا أنهم ناس ... لا حطب.

قال مقاومة ... قال.

 

محمد سلام

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تم التثبيت):

أضف تعليق comment

يرجى إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email ارسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
العلامات
لا يوجد علامات لهذا الموضوع
قيم الموضوع
0